الشوكاني

69

فتح القدير

عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ) . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه ، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ عليهم سورة مريم ، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع ، وهم الذين أنزل الله فيهم ( ولتجدن أقربهم مودة ) إلى قوله ( من الشاهدين ) ، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في الآية قال : هم رسل النجاشي بإسلامه وإسلام قومه ، كانوا سبعين رجلا يختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه والسن ، وفى لفظ : نعت من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين رجلا ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة يس ، فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق ، فأنزل الله فيهم ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) الآية ونزلت هذه الآية فيهم أيضا - الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله - أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا - . وأخرج عبد بن حميد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بدون ذكر العدد . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا ، فأنزل الله فيهم ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ) الآية ، والروايات في هذا الباب كثيرة ، وهذا المقدار يكفي ، فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ( قسيسين ) قال : هم علماؤهم . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : القسيسون عبادهم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله ( فاكتبنا مع الشاهدين ) قال : أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . سورة المائدة الآية ( 87 - 88 ) الطيبات : هي المستلذات لما أحله الله لعباده . نهى الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها ، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقربا إليه . وأنه من الزهد في الدنيا فرفع النفس عن شهواتها ، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم كما يقع من كثير من العوام من قولهم : حرام على وحرمته على نفسي ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني . قال ابن جرير الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شئ مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح ، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم التبتل على عثمان بن مظعون . فثبت أنه لا فضل في ترك شئ مما أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه ، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون ، إذ كان خير الهدى